
في مناسبة حلوة، حظيت بإصّيص لطيف جدًا يحوي نبتة صبّار، ظل حاضرًا في مكتبي، وظل إصّيص آخر مماثل له حاضر في مكتب زميلتي المقابل لمكتبي. عادةً، لا يستهويني الصبار ولا أحب إطالة النظر إليه، وحين تتلاقى أعيننا، أشعر بأن الصبار يحكي لي ماحكاه غازي القصيبي مرة:
“وتمر عينك بي وتهرع مثلما
عبر الغريب مروّعًا يتوثّبُ”
عادةً ما أنسى فكرة تواجده في المكتب، وأتذكره في اللحظة التي تسقي فيها زميلتي النبتة الخاصة بها وتمر بي وهي تحكي: “خولة كأنك من زمان ما سقيتيها؟” وأضحك بحرج لكون المرة الأخيرة كانت في المرة التي سقت هي -كرمًا- نبتتي معها.
المثير أن زميلتي انتقلت قبل ثلاثة أشهر من المكتب، ويمكنك أن تتخيّل إلى أيّ مدى قد يجف ريق نبتة الصبار الخاصة بي، نشرب معًا الماء مرة، وأسهو عنها مرات. زارتني زميلتي بالأمس وكنا نحكي، تتفاجأ جدًا حين تلحظ نبتة الصبار الخاصة بي لكونها لازالت على قيد الحياة وبوضع صحي وممتاز جدًا. تسألني: “كيف كذا خولة؟ تخيلي نبتتي ماتت وأنا مرة أعتني فيها، وأنت تهملينها واللحين كذا ماشاء الله مليانة حياة”، ونضحك على الحياة! أشركها بسرّي الآن للمرة الأولى، بأني لا أحب الصبّار، كنت أحتفظ بهذا لنفسي لكون مكتبها كان حافلاً بثلاث صبّارات.
اليوم، لحظة خروجي من المكتب، كنت على عجلة من أمري، حاذى طرف كمّي الأيسر النبتة وعلق بها، وخلال لحظة، لحظة فقط، تتهاوى النبتة على الأرض مجتثّة من جذورها العشرة. كان الموقف مفاجئ جدًا بالنسبة لي، حاولت سريعًا إعادتها للإصيص، والبحث عن الموضع الأكثر ملاءمة لكي تستعيد حياتها. لا أعرف لكن صحبني شعور غريب، من المؤكد بأن النبتة قد استشعرت شعوري تجاهها منذ زمن بعيد، غير أنها لم تقرر التخلي إلا بعد إفصاحي عن هذا الشعور بصوت عالي ومسموع.
أحكي لعائلتي الموقف، ويأخذنا مجرى الحديث للحكاية عن النباتات والنوع الذي نفضله ويتواءم معنا. وفجأة، تحكي أختي الصغيرة: “كنت أحب البامبو، لكن الفترة الأخيرة مو مرة أحبه”، وحين ينتقل نظرها للجانب الأيمن تتذكر بأن نبتة البامبو الخاصة بها لازالت حاضرة بمحاذاة النافذة المجاورة، فتستدرك سريعًا وتقول: “لا لسه أحبها”، ونضحك جميعًا بعينين تحكي: “خلاص مايمديك تسحبين كلامك شكلها سمعتك”.